مدراج قرطاج تؤوب مع ليو روخاس

05:13 مساءً الجمعة 30 أغسطس 2019
سعيدة الزغبي خالد

سعيدة الزغبي خالد

إعلامية من تونس، مستشار المحتوى السمعي والبصري، آسيا إن

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

اختتم مهرجان قرطاج الدولي دورته الخامسة و الخمسين في 26 من شهر أغسطس ( أوت) 2019 بعرض للفنان الإكوادوري ليو روخاس عازف نايات القصب pan flute و هي آلة موسيقية نفخية تتكون من مجموعة من أنابيب القصب المجمعة التي تصدر أصواتا تحاكي الريح  , ورافقه في العرض صديقه مغني الأوبرا  

Silvio d’Anza

3773F5DF-AC4C-442E-938E-9E36E701696F 

انطلق العرض بعاصفة من التصفيق استقبل به جمهور قرطاج الغفير ضيف السهرة الذي اتصلت صلتهم به من خلال مهرجان بنزرت الدولي الذي استضاف ليو روخاس السنة الماضية و من خلال انتشار موسيقاه عبر اليوتيوب .. انطلق روخاس في محاكاة أصوات الطبيعة بريحها و أمطارها و أعاصيرها و ذئابها العاوية خشية و احتجاجا و تهديدا و يأسا و أملا و انتظارا .. وقعت قدماه مع آلاته الهندية خطوات أشبه بالصلاة و رقصا طقوسيا أنهكه و شحنه أيضا بطاقة غريبة امتد تأثيرها للجمهور الذي أضاء المدارج بكشافات الهواتف و بإشعال الشماريخ و ترديد نشيد السهرة و هو الهتاف باسم ليو .. ليو المتقمص لأرواح أسلافه من أهل تلك البلاد البعيدة و الحافظ للغته الأم رغم إقامته في ألمانيا و تتويجه هناك .. ليو الذي انتقد عدم إجادته للانكليزية التي بدأ تعلمها منذ سنتين فقط تبادل الود مع الناس الطيبين كما دعاهم طوال السهرة lovely people حاول إجادة بعض ما اشتهر به التونسيون مثل ” شكرا” و يعيشك ” .

ليو روخاس يغني لكنه في الأساس موسيقي و ملحن يضيف إلى موسيقاه نصوصا اغلبها همهمات من تراث قومه تنطلق مثل التسابيح تتخللها أصوات الحشرات و الحيوانات و فعل الريح في النبات و الشجر , و بعضها نصوص تمجد عناصر الطبيعة التي تمنح الحياة و تأتي بالموت أيضا مثل الماء و قد قام بترجمة النص من لغته الأم إلى الانكليزية .

ليو روخاس عازف على أكثر من ناي كلها نايات الريح تختلف أحجامها و أطوالها فتختلف بذلك ما تصدر من أصوات يوقع خطوه على صوت شقشقات آلاته المتعددة معتمدا في الحفاظ على سرعة الايقاع وكسب انتباه الجمهور على فرقته الموسيقية المتكونة من عازفي جيتار و عازف إيقاع و عازف اورغ قدم كل واحد منهم أحسن ما لديه في ليلة استعاد فيها مسرح قرطاجصخب الجمهور و اندفاعه هذه المرة نصرة لرجل لم يكن ينازع الوحوش بل كان يروض الريح و الماء و يرضي جمهورا جاءه من كل أركان البلاد الأربعة ليستمتع بما يحفظ من أعماله و ليكتشف أغنية قدمها خصيصا و لأول مرة لهذا lovelypeople ستصدر في ألبومه القادم .

تكلم كثيرا دون أن يكون مملا مستعملا كل اللغات ليقول شكرا لهؤلاء الذين يحفظون ألحانه و هو القادم من بعيد جدا من حيث الجغرافيا و التاريخ و الثقافة و اللسان و اللون و السحنة و الحركة و من حيث شكل ناياته العديدة في وحدتها و المتعددة في عددها و مزاميره القصيرة و الطويلة و الريش و التعاويذ و السبح التي تزين أدوات فنه .

ضيّف الضيف صديقا له لربع ساعة أو أكثر بقليل لعله استغلها ليسترد أنفاسه من فرط ما رقص و ما صنع من بهجة على الركح الذي ملأه و شغل الناس به رغم ضآلة حجمه , دعا إذن روخاس صديقه Silvio d’Anza و هو مغني أوبرا سحر الجمهور بأدائه خاصة لأغنية Bella ciaoالتي يحفظ الجمهور كلماتها و استمتع بمشاركته أداءها و كأن هذه الفسحة أعادت لروخاس نشاطه فاستعاد قوة سحره التي مارسها على جمهور أسلم قياده و استعد راضيا للتنويم فبدا كأن ليو روخاس يؤوّب في قرطاجفتأوّب معه المدارج بناسها و حجرها و تاريخها الدامي أحيانا و المزهر أحيانا أخرى .

ليو روخاس صاحب المرتبة الذهبية لهذه السنة على اليوتيوب و صاحب التتويجات في برامج المواهب في ألمانيا حمل معه ثقافته الهندية الأمريكية إلى أوروبافأسرها ثم انطلق بها إلى إفريقيا عبر بنزرت ثم قرطاجعزف أشهر ما عرف الجمهور من معزوفات هنود أمريكا الجنوبية وغنى أوجاع قومه ووقّع خطوه مستحضرا أرواحهم المقدسة تحميه و تعلمه الحكمة و ترفرف على المكان تسمع تسبيحه و لغاه فتعود إلى جناتها يملأها الرضا على هذا الفتى صاحب الذؤابة الذي يحفظ الطقوس و ينشر المحبة و البهجة حيثما حل ينفخ في القصب فيخرج منه أنغاما تملأ النفوس سعادة و تجبر الأجساد على تتبع الإيقاع في رقص يطرد من كل جسم علله النفسية فتنطلق الحناجر بصيحاتها استحسانا و شكرا لهذا المبدع يملأ المكان كأنه عملاق .

تحرص إدارة مهرجان قرطاج على انتهاء سهراتها عند منتصف الليل على التزام الضيوف بهذا التقليد لكن السهرة الختامية للدورة الخامسة و الخمسين للمهرجان شذ بها الضيف و الجمهور على حد سواء و أصرّ الجميع على مواصلة الحفلة لنصف ساعة أخرى بعد أن أعلن نجم السهرة ليو روخاس على أسفه لانتهائها وبعد أن قدم أعضاء الفرقة و حيىّ الجمهور رفقة ضيفه لكن يبدو أن غواية نايات الريح و طاقة الجمهور الملفتة جعلت من الصعب فرض الالتزام بموعد الرحيل فلم يكن هناك خوف من أن تتحول العربات إلى يقطين كما في قصة سندرلا فأمير السهرة صاحب الشعر الطويل و ملامح هنود أمريكا لا يخاف دقات الساعات و لا يخشى إلا غضب الأسلاف إذا لم يصل بالجمهور الى درجة من الانتشاء جعلت الجميع يهتف ” يعيشك ليو .”  

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات