الصحافة في أفغانستان و دور خريجي المدارس العربية فيها

05:20 مساءً الأحد 10 مارس 2013
د.عبد الله خاموش الهروي

د.عبد الله خاموش الهروي

أديب وديبلوماسي وباحث أكاديمي، أفغانستان

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

المحقق د. الهروي مع عدد من أساتذة فخر المدارس بولاية هراة

قبل أن نذکر بالتفصيل ظهور الصحافة في أفغانستان و نشرها و ازدهارها في قرن العشرين، يجب أن نذکر أن الشيخ مولوي قاضي عبدالقادر بشاوري هو أول من أسس الصحافة الأفغانية و کان يرأس أول جريدة و مجلة باسم شمس النهار زمن أمير شيرعلي خان (1280-1283-1284 و 1296 ق) و ذلک بطلب من السيد جمال الدين الأفغاني – رحمه الله -، و ذلک حين سفره، حيث اعطي قائمة إصلاحية لأمير البلاد. أسست هذه الجريدة عام 1290 ق/1873 م و کانت تنشر أسبوعيا ثم في خمسة عشر يوما ثم في کل شهر. ولکنها توقفت عن النشر مع بداية الحرب الثانية بين أفغانستان و الدولة البريطانية (1878-1880 م) و کانت تترجم أکثر مطالب هذه الجريدة من الإنجليزية و العربية و الأردية و الترکية و کانت هذه کذلک بداية مرحلة الترجمة في أفغانستان.[1]

    کما أن أول مطابع أفغانستان: المطبع الحجري، المطبعة المصطفاوية و مطبعة شمس النهار، أسست في هذه المرحلة و وردت ماکناتها من الهند و کان الشيخ عبدالقادر يکتب بنفسه أکثر مقالات هذه الجريدة أو المجلة. حيث کان هذه الشخصية شاعرا و مستشاراً للمک و سکرتيرا للأمور العسکرية له.

    لکن الحرب الثانية بين الأفغان و الإنکليز صار سببا في تدمير هذه المطبعة و توقف نشر هذه الجريدة.

    ثم لم تطبع أي جريدة زمن عبدالرحمن خان (1297-1318 ق) (1880-1901 م) ولکن بعد مجييء امير حبيب الله قامت نهضة فکرية و اجتماعية و ثقافية عامة حيث أسست مدارس رسمية منها: مدرسة حبيبية التي قامت النهضة المشروطة من بين مدرسيها و مدرسة الحربية، کما طبع الکتب، و بدأت من جديد حرکة الصحافة.

    حيث کانت تکتب الأخبار اليومية الداخلية و الخارجية بخط حسن و تقديم للأمير.

السيد طرزي کان أول مؤسس لجريدة استمرت في أفغانستان لقب بأبي الصحافة الأفغانية

ففي 22 من جدي (دي) 1284 ش طلعت الجريدة الثانية باسم سراج الأخبار بمديرية و امتياز مولوي عبدالرءوف القندهاري عام 1906 ولکنها توقفت عن النشر بعد إصدار أول جريدة منها، ثم مديرية محمود الطرزي، الشاعر و الکاتب و الصحفي و الجغرافي و المترجم و السياسي الذي تعلم اللغة الفارسية و اللغة العربية و الفلسفة عند والده و عند الشيخ ملا محمد اکرم هوتک ثم هاجر مع والده إلي الشام و سکن فيها و تعلم العربية و أجادها ثم تعلم اللغة الفرنسية و الترکية و درس العلوم المعاصرة و تعرف علي الحضارة الجديدة و آثار الأدب الغربية کما تعرف في ترکيا العثمانية علي عشاق الحرية من شتي البلاد الإسلامية الذين کانوا يهاجرون إليها و منهم السيد جمال الدين الأفغاني – رحمه الله – حيث قضي سبعة أشهر في خدمته و ذلک بأمر من والده، فرجع إلي بلاده بعد ثلاث و عشرين سنة و قد تأثر بالسيد جمال الدين و الرجال الأحرار فوجد أفکاره مجالاً للظهور زمن الأمير حبيب الله خان (1319-1337 ق) فکان السيد الطرزي يسعي لترويج نماذج من الحضارة الغربية في أفغانستان، فترجم بعضاً من الآثار الترکية و قدم إقتراحات لإصلاح الأمور منها: إستمرار نشر جريدة سراج الأخبار.

فنشرت اول جريدة منها في 16 ميزان، 1290 ش (1911 م) بمديرية الطرزي.

    فبما أن السيد طرزي کان أول مؤسس لجريدة استمرت في أفغانستان لقب بأبي الصحافة الأفغانية فکان يعرّف الناس في هذه الجريدة بالعناصر السياسية و الأجتماعية للغرب کما أنه کان يشوق أبناء بلده بالعمل الجاد في مسيرة التقدم و الإبتعاد عن الکسل و الغفلة، و يبث فيهم روح الحرية، و حب الوطن، و الحرب مع الإستعمار.

    کان السيد طرزي يوُ­کد في مقالاته بضرورة وجود الحرية و يندد بالإستعمار و ينقد البلاط الملکي فصار بذلک سراج الاخبار مراکزاً للأحرار و طالبي الإصلاح و مبينا لأفکار جميعة الشباب الأفغان. لم تبق آثار هذه الجريدة محدوداً في إطار أفغانستان بل اتسع نطاق نفوذها إلي الدول المجاورة خاصة الشبه القارة الهندية.

    أدرک الطرزي أنه لا يمکن الوصول إلي أهدافه في خدمة وطنه إلا بالإقتراب من البلاط الملکي فزوج ابنتيه لأبناء الملک حبيب الله و هما: أمان الله و عناية الله کما أنه صار مجبورا أن يتخذ في کتابة جريدته طريقتين:

1- بث أفکاره الإصلاحية.

2- نشر أشعار من الشعراء الآخرين في مدح الملک و الإستفاده من الرمز في بيان بعض نقاط الضعف للملک و حواشيه.

    کما أنه بالإضافة إلي المسائل السياسية و بيان المراحل المختلفة للحرکة المشروطة کان يقوم بالترغيب للإصلاحات الإجتماعية و التجدد في ساحة الأدب و الثقافة و الإقتصاد و التربية و التعليم. إن عناية بأمور النساء و ذلک بافتتاح صفحة خاصة باسم «عالم النسوة» في سراج الأخبار کان نموذجا لأفکار المتجددة.

    کما أنه کان أول صحفي أفغاني أسس نشرة للأطفال و ألتي کانت تنشر ضميمة لسراج الاخبار و کانت تسميٰ: «سراج الأطفال».

    حيث منعتا من النشر بسبب مخالفة بعض أفراد البلاط في شهر قوس / آذر 1297 ش.

    کان الطرزي بالإضافة إلي تحرير هذه الجريده و ضمائمها شاعراً مجيدا خاصة في القصيدة و الغزل کما کان ينشر الشعر الجديد و يقوم کذلک بالترجمة و التأليف.

    عين طرزي بعد قتل أمير حبيب الله و وصول أمان الله إلي سدة الحکم و ذلک بسبب عناية الملک و جماعة من أفراد البلاط بأفکاره المتجددة، وزيرا للخارجية و صار هذا الأمر سببا في تنحيته من الأعمال الثقافية.

    فقام أول ماقام بالنبابة عن الملک في الجلسات مع البريطاينين لإعترافهم بإستقلال أفغانستان و إرسال بعثات دبليو ماسية إلي روسيا و أمريکا و سائر البلاد الأروبية لهذا الهدف.

    کما کان سفيراً لأفغانستان لمدة في فرنسا و کان من آثار هذه السفارة توسعة العلائق الثقافية بين الدولتين و وصول هيئة من علماء الآثار القديمة و التحقيق التاريخي الفرنسي إلي أفغانستان و تأسيس معهد الإستقلال و إرسال الطلبة إلي الجامعات الفرنسية.

    عين الأستاذ طرزي مرة أخريٰ وزيرا للخارجية ولکنه بدليل عدم عناية المسئولين بأفکاره و برامجه و اختلافه مع الإفراطيين من حواريي أمان الله خان استقال عن الوزارة.

    کما کان تأسيس الوزارة الخارجية و التعريف بأفغانستان في الجمامع الدولية و انتخابات الشوري و تأسيس نظام حزبي، من إختراعات السيد الطرزي و أعماله.

    فشهداء المشروطة منهم مولوي محمد سرور واصف القندهاري کانوا أول المترجمين في أفغانستان کما کانوا قدوة في بث روح الحرية و العمل و الجد و الإجتهاد و تأسيس المدارس الجديدة فيها.

أضيف أن سراج الأخبار إذ کانت نشرية سياسية کانت أول مصدر عرف الأفغانيون العلوم المعاصرة و إن وجود مفاهيم أمثال حب الوطن، و طلب الحرية و العدالت و المساوات و الحقوق السياسية في متون النظم و النثر تکون بلا شک من نتائج و مواليد هذه الجريدة المبارکة التي لعب خريجو المدارس العربية القسط الأکبر منها.

    کما أن جريده أمان أفغان بمديرية الأستاذ عبدالهادي داوي،‌ العالم و الشاعر و السياسي، و اتحاد مشرقي بمديرية مولانا برهان الدين کشککي کأول نشرة في ولايات الشرق بأفغانستان، و جريدة الغازي بمديرية مولوي يعقوب حسن من مهاجري الهند في إحدي الولايات الجنوبية، و إرشاد النسوان بمديرية زوجة طرزي أسماء المعروف ببي­بي عربي، و اتفاق إسلام بمديرية مولوي عبدالله قانع هروي، و ستارۀ أفغان بمديرية غلام محمد الحسيني (غبار)،‌ و طلوع أفغان بمديرية مولوي صالح محمد هوتک مدير المعارف في قندهار،‌ و … . نماذج ممتازة تبين لنامدي أهمية اللغة العربية و المدارس العربية في أفغانستان خاصة خلال القرن العشرين.

   کما أن جريدة الإيمان نشرت في مديرية سرخ رود بولاية ننکرهار لأول مرة بوسيلة العالم الکبير الشيخ مولانا غلام نبي کاموي و غير ذلک من الجرائد و الصحف و المجلات التي لعبت دورتً اهاماً في إيقاظ الشعب الأفغاني و توسعة المعارف و الصحافة و الکتابة و الترجمة و النشر.[2]

 



1- سير ژورناليزم در افغانستان، 1/3 ، 5 ، 71 ، 72 ؛ معرفي روزنامه­ها، جرايد و مجلات افغانستان، 92-93 ؛ نگاهي به ادبيات معاصر افغانستان، 24-22 ؛ اولين جريده رسمي افغانستان، شمس النهار «عبدالرؤف بينوا».

1- سير ژورنالزم در افغانستان. صفحات متعددة، و تاريخ ادبيات افغانستان، 230-332-396-399 ، و دايرة المعارف بزرگ اسلامي 6/545-546-560 .

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات